← العودة إلى المقال في الأرشيف

مدينة الظلام

بقلم ياسمين خلف

2010-02-11

ياسمينيات مدينة الظلام ياسمين خلف

ما إنْ تغيب الشمس ويلبس الليل عباءته حتى تجد المحافظة الشمالية وبالتحديد شارع البديع قد تحول من دون غيره من الشوارع في المملكة إلى مدينة مظلمة موحشة مريبة، خصوصاً إذا ما خلا من السيارات إلا قليلاً، وانتشرت قوات مكافحة الشغب في الساحات المجاورة، واغتصبت مسيلات الدموع المنازل، وعاث الرصاص المطاطي ساحات البيوت واستهدف النوافذ والأبواب والسيارات، والتهبت الشوارع بالنيران والغازات والأدخنة، حتى ليندم المرء من سكنه في منطقة لا تهدأ يوماً ولا يعرف فيها معنى الأمن والاستقرار. ربما تأقلم سكان هذه المنطقة الملتهبة مع الأوضاع والمناوشات التي إنْ فترت أو هدأت يوماً أو بضع يوم فكأن شيئاً غريباً وغير معتاد قد حدث، وكأن الهدوء لم يعد من سمات هذه المنطقة، ولكن لا أحد منهم طبعاً سيتأقلم مع الكربون المتصاعد من ألسنة النيران المشتعلة يومياً ورائحة مسيلات الدموع الخانقة للصدور والمحرقة للجفون، فأثرها ليس وقتياً فقط، بل أخطر وأمرّ مع تراكمه اليومي والمستمر، والذي قد يكون سبباً لأمراض سرطانية مستقبلاً أو أمراض صدرية مزمنة أقلها ضيق التنفس، أو سبباً لأمراض العيون والجلد، ولا أستبعد أن يكون تأثيرها كبيراً حتى على صحة الشعر كأن يكون سبباً في تساقطه أو زيادة الصلع عند الرجال والنساء على حد سواء. لست طبيبة لأفتي، ولكن أجزم بأن تلك السموم التي نستنشقها يومياً لن تتركنا نقضي بقية أيام حياتنا بسلام، ومن له شك في ذلك فليزر تلك المنطقة ويسكن بيوتها يوماً ليعيش ساعات لن ينساها، وليرى الضرر والتلف الذي يتجاوز الصحة إلى الضرر الذي يطال حتى أثاث منزله ونظافته. هل يتصور أحدكم أن المنازل هناك تحتاج يومياً إلى تنظيف شاق لإزالة الكربون الملتصق على جدرانها وأرضياتها؟ هذا ما تفعله بالأثاث فماذا تتصورن أن يحدث داخل أجسام البشر هناك؟ كما قلنا مرراً.. إن هناك من يعاقب على جرم لم يقترفه، وقد يتضرر ربما أكثر من أولئك الذين لهم يد في القضية، هناك مرضى وكبار في السن وأطفال يكون الضرر عليهم مضاعفاً، رغم أنهم لم يشاركوا في مسيرات ولم يشعلوا النيران في الطرقات، والذي لا أعرف له تفسير حقاً، هو داعي إطلاق الغازات المسيلة للدموع في ساعات الفجر الأولى رغم استقرار الوضع الأمني واستغراق القائمين على الشغب في «نوم عميق».. بصراحة أموت وأعرف. 1440 السبت 15 صفر 1431 هـ - 30 يناير 2010

info@yasmeen-khalaf.com