← العودة إلى المقال في الأرشيف

" الآيلة" المأسوف على شبابه

بقلم ياسمين خلف

2009-12-21

ياسمينيات «الآيلة» المأسوف على شبابه ياسمين خلف

سنوات طويلة عاشها فقراء هذا البلد في بيوتهم المتهالكة، والتي أغلبها يمكن أن نقول عنها بأنها خراب لا بيوت، يتقاسمون الغرف التي تتكدس فيها اللحوم مع الحشرات والقوارض، ولا أبالغ أبدا إذا قلت ذلك وأنا من دخل عشرات منها لأسباب صحافية، أغلب سكان تلك البيوت كانوا يتعففون ويحمدون الله بأن لهم سقفا يحميهم وإن كان مهترئا لا يصمد أمام القطرات القليلة من المطر، فينزف حتى يغرقهم، وفي الصيف تخنقهم الرطوبة والحرارة معا خصوصا مع وجود مكيف صمد سنوات وسنوات جاهدا في تبريد جدران لا ينفع معها إلا الهدم، والكثير من تلك البيوت كانت سببا في إصابة أهاليها بالأمراض ‘’ جلدية ، تنفسية وحتى النفسية لبعض منهم’’ ورغم كل ذلك بقوا في منازلهم تلك منتظرين فرجا لم يحسبوا أبدا أن يكون من الحكومة، فجاءت البشارة بمشروع ملكي لإعادة بناء البيوت الآيلة للسقوط وهو بحق مشروع يستحق الثناء والشكر، فمن كان يتوقع من أولئك الفقراء أن تتحول الجدران الرملية إلى أسمنتية ويتنفسون هواء خاليا من الرطوبة التي تشبعت بها جدرانهم فحسبوها قدرهم الذي لا مفر منه. تركوا بيوتهم فرحين غير متأسفين ومن ‘’ يعوف’’ أن يعود ويرى خرابته وقد تحولت إلى بيت لآدميين’’ ونزحوا إلى الشقق التي تعدهت الحكومة أن تدفع لهم بدل إيجارها والذي طبعا لا يزيد عن 200 دينار، إلا أنه ومع ارتفاع أسعار الإيجارات سلم الأهالي الأمر لله ، فالبدل لا يكفي وهم مضطرون ‘’وغصبا عنهم’’ أن يتحملوا فرق الإيجار وبدأوا منذ تلك اللحظات يختنقون من وضعهم الذي زاد سوءا على سوء ، فبعد أن كانوا يعيشون في بيوتهم الخاصة لا يحسبون للإيجار حسابا في ميزانياتهم، ولا يفزعهم طرق الأبواب خوفا من وجود صاحب الملك وراءها ، أخذوا يتوجسون خيفة ويحسبون لانقضاء الشهر ألف حساب ‘’ هم لاقين ياكلون عشان إجيهم هم الإيجار! ‘’ صبروا ولم ينالوا من صبرهم خيرا كما يقال وإنما نالوا الخيبة تلو الأخرى مع تقاذف مشكلة الموازنة التي لم يخططوا لها بالشكل المناسب، فانتهت قبل أن ينتهي المشروع، ولكن بعد ماذا ؟ بعد أن شردوا الناس من بيوتهم وأرهقوهم بديون الإيجارات المتأخرة . ما نريد قوله إن المواطنين ليس عليهم تحمل تبعات وإخفاقات وفشل الجهات الرسمية، كانوا في بيوتهم أعزاء لا أذلاء كما هو حالهم اليوم، مهددون بالطرد والنوم على قارعة الشارع كل لحظة، هم في حيرة وضيق ولا مكان يؤويهم بعد أن أخلوا بيوتهم القديمة وسلموا مفاتيحها إلى الجهات الحكومية، والتي لن تصلح بعد هجرها لأشهر أو ربما سنوات للعيش فيها مرة أخرى، وأصحاب العقارات معذورون كل العذر فتلك الأملاك مصدر رزقهم ورزق عيالهم، وكما الغلاء عاصف على المستأجر فالمؤجر يذوق من المر ذاته، الوعود بانتهاء الأزمة طالت ومن المؤسف حقا أن نسمع بين الفينة والأخرى أن فلانا أو فلانة خرجت من بيتها على أمل العودة إليه وهو جديد وبدلا من أن تخرج من الشقة إليه خرجت إلى المقبرة من دون أن تتحقق أمنيتها، ولا نريد أن نسمع مرة أخرى أن امرأة بدأت تفقد صبرها وحاولت الانتحار بعد أن بلغت بأن ‘’ ملايين المشروع انتهت ‘’ وحلمها لايكاد أن يتحقق! أنسيتم امرأة المنامة ؟ من المعيب حقا أن تلوك الأيام بعضها والوضع كما هو عليه ويكفي إذلالا للمواطنين فأوجدوا المخرج لهذه المأساة بصرف الأموال في مكانها بدلا من التعذر من عدم وجود ‘’ خردة للمشروع’’. العدد 1209 السبت 19 جمادة الثاني 1430 هـ - 13 يونيو 2009

info@yasmeen-khalaf.com