ست الحبايب
بقلم ياسمين خلف
2009-12-21
ياسمينيات ست الحبايب ياسمين خلف
حتى ثلاثة أعوام مضت، كنت أضحك من بكاء أمي رحمها الله، على والدتها التي توفيت منذ سنوات، كنت أعاتبها وأشكك في مصداقية تلك الدموع، ''أفبعد كل تلك السنوات تبكينها؟ شبعت جدتي موتاً يا أمي، كفاك دموعا''، كنت أستغرب من دموعها التي تنزف من مقلتيها وهي تشاهد وتسمع أغنية ''ست الحبايب يا حبيبة'' للفنانة فايزة أحمد، حتى أيقنت اليوم وأنا مكان أمي، وأمي مكان جدتي حرارة تلك الدموع، بعد أن تجرعت من كأس الفراق والحنين ذاته، وعرفت بعد جهلي أن فقد الأم والأب لا يمكن أن ينسى، ولا يمكن أن تخفف عنه الأيام مهما طالت ومهما حملت من الأفراح، فما ذهب لن يعود ولا يعوض ولا يقارن بأي مصيبة أخرى، ألم تقرأ يوما الحكمة التي تقول ''يبقى الرجل طفلا طوال عمره، فإن ماتت أمه شاخ فجأة!''. لا أريد أن أقلب أحزاني ولا أوجاعي وأوجاع من هم في الهم مثلي، فهو حزن يأبى أن يفارق الفؤاد، بعد أن قرر أن يجثم على صدورنا منذ اللحظة التي يفارق الوالدان الحياة، ولكني أردت أن أوصل رسالة إلى كل من لا يقدر الجوهرتين اللتين في بيته، ولا يعرف قدرهما ولا يعطيهما حقهما، هي نعمة كبيرة يحباها الله لمن يطول عمر والديه حتى أن المرء لا يشعر بقيمة وقدر هذه النعمة، بل ''يرفسها'' برجليه كما يحدث للعاقين منهم، كانت أمي تقول ''لن يعرف المرء قدر والديه إلا بعد أن ينجب ويكون له أولاد'' هي محقه، وأضيف عليها اليوم أنا مقولتي ''بأن المرء لا يعرف قدر والديه إلا بعد أن يغمضا عينيهما''. في عيد الأسرة الذي مضى قبل يومين يخطئ من يعتقد أنه إن أهدى والديه هدية قلد الغرب واتبع ضلاله، باعتبار أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فإن كان ذاك التبرير بأنه عادات للغرب، فإني وبكل جرأة أعلنها بأنها عادة تجاوزت أخلاقيا الكثير من عادات العرب والمسلمين، ألسنا أصحاب الدين الذي يحض على بر الوالدين وطاعتهما والاعتراف بفضليهما؟ فما ضير إدخال الفرحة في قلبيهما ولو بهدية وكلمة كل سنة وأنتما طيبين يا أمي ويا أبي يا جنتي وناري، قائلا سوف ينبري ليقول ولما هذا اليوم بالذات، فهي حجة كل من يستثيره الفرح والأعياد! وأنا أقول لما حتى اليوم لم نر العرب والمسلمين يتفقون على يوم آخر لعيد الأسرة إن كان هذا التاريخ يستفزهم؟ أتدرون ما يحز في نفسي حقيقة ؟ أن أفكر في الأطفال اليتامى ممن فقدوا أحد والديهما أوكلاهما، وكيف لهم أن يجاروا الأطفال الآخرين في فرحتهم واحتفالاتهم في المدارس بعيد الأسرة؟ لابد أن تكون هناك فكرة لإبعاد هؤلاء الأطفال عن المشاعر السلبية والحزينة التي ستحيط بهم في هذا اليوم وهم فاقدون لهذه النعمة، لا أعرف كيف حقيقة؟ خصوصا إن الاستعداد لهذا اليوم يبدأ قبل شهر تقريبا، وليس فقط في المدارس بل على مستوى المملكة ككل، ولكن الذي أعرفه بأنه يوم استثنائي قد يقدم فيه البعض الورود لوالديه وقد ينثرها على قبريهما، كما أفعل أنا فلكما الرحمة والمغفرة يا والدي في عيدكم هذا الذي خلا من وجودكما. العدد 1128 الثلثاء 27 ربيع الأول 1430 هـ - 24 مارس 2009