← العودة إلى المقال في الأرشيف

مدرسة أم "غابة"؟

بقلم ياسمين خلف

2009-12-21

ياسمينيات مدرسة أم «غابة»؟ ياسمين خلف

الوضع أسوء مما قد يتخيله البعض، مدرسون أشبه ما يكونون بالوحوش في الغابة من أن يكونوا تربويين في مدرسة، فما يحدث في إحدى المدارس الابتدائية من ضرب مبرح، لا يمكن السكوت عنه إطلاقاً، رغم سكوت مدير المدرسة الذي هو على علم تام بما يجري للطلبة الأطفال المؤتمن هو عليهم قبل غيره على أيدي المدرسين بمدرسته، كما هو بالضبط على علم تام بقوانين وزارة التربية والتعليم التي تمنع ضرب الطلبة مهما كانت الأسباب. قبل أيام فقط تجمهر الأهالي بعد انتهاء الدوام المدرسي على إثر «انقضاض» مدرس على طالب في الحافلة وضربه ضرباً مبرحاً، ليجره كما الشاة من الحافلة جراً، حتى كاد أولياء الأمور أن ينقضوا عليه ليلقنوه درساً لو ذاق طعمه لما نسيه طوال حياته على إثر الحنق الذي ثار في صدور الأهالي الذين شهدوا الحادثة. الغريب أن الواقعة حدثت في الثانية عشرة والنصف ظهراً وقبلها بنحو ساعة أو أكثر بقليل هاتفني ولي أمر طالب من المدرسة ذاتها يشكو أحد المدرسين فيها لتعديه بالضرب على ابنه وتسببه برضوض في أصابعه بعد أن حاول الطالب/ الطفل منع ركلات و«رفسات» المدرس على ظهره بوضع يديه الصغيرتين وراء ظهره، مستذكراً حادثة أخرى تعرض إليها ابنه في المدرسة ذاتها ومن مدرس آخر العام الماضي، حيث أصيب بجرح غائر في خاصرته على إثر ضرب المدرس إياه ودفعه على الحاجز الحديد للسبورة، والجرح لايزال شاهداً على الحادثة وباقياً كندبة ستلازم ابنه طوال حياته لتذكره كل يوم بجريمة مدرس قيل عنه يوماً من الأيام «كاد أن يكون رسولاً»، وبالمناسبة هو المدرس ذاته الذي انقض على الطالب في الحافلة بعد أن لحقه كالطفل المتورط في شجار مع طفل آخر. الطلبة وخصوصاً ممن هم في المرحلة الابتدائية، وبالذات الأولاد منهم، يمتازون بكثرة الحركة والنشاط وربما الشقاوة الزائدة، وهو أمر لابد أن يكون المدرسون على علم به أكثر من غيرهم لملازمتهم للطلبة في هذا العمر وخبرتهم التربوية ومرور حالات متعددة عليهم طوال سنوات الخدمة. وجود حالات متطرفة لا يعطي العذر أبداً لأي مدرس أن ينهال بالضرب المبرح على «أولاد الناس»، بل عليه التعامل معها بروح المدرس الأب، وإن عجز عليه تحويلها إلى الاختصاصي الاجتماعي، وإن استدعى الأمر تحولت إلى الطب النفسي لعلاجها لا أن يزيد الطين بلّه ويقابل العنف بعنف، فلكل فعل رد فعل، والطفل لن يعي بأنه «ضرب تأديبي» كما يحلو للبعض تسميته، وإنما سيجده ضرباً أريد منه الإهانة فيحاول الثأر والانتقام أو حتى إثبات الذات وكلٌ له أسلوبه. خلْق الله عندما يأخذون أبناءهم للمدارس يعتقدون بأنهم في أيدي تربويين لا بأيدي وحوش، أرسلوهم ليتعلموا لا أن يصابوا بعاهات وندب وإصابات، بل بأمراض نفسية إذا ما هم تعقدوا من المدرسين والمدرسة ليكرهوا العلم والدراسة مستقبلاً. ما بلغني أن الطالب «المضروب كالشاة في الحافلة» من أسرة فقيرة وأب لا حول له ولا قوة، وهو أمر متوقع، فلو كان الطفل ابن فلان الفلاني لما تجرأ هذا المدرس أو غيره على رفع يده وضربه بهذه القسوة المتجردة من أي رحمة. ويكذب من سيقول إن المدارس تطبق قانون منع الضرب، والحوادث تشهد على ذلك. ما بقي أن نقوله هو هل ستلتفت وزارة التربية لهذه الشكوى وتعاقب المدرس، أم ستبحث له عن مبررات ليتحول من وحش إلى حمل وديع كاد الطالب أن ينحره فدافع عن نفسه؟ العدد 1136 الأربعاء 5 ربيع الثاني 1430 هـ - 1 أبريل 2009

info@yasmeen-khalaf.com