← العودة إلى المقال في الأرشيف

ولا تخلي رحمة الله تنزل

بقلم ياسمين خلف

2009-12-21

ياسمينيات ولا تخلي رحمة الله تنزل ياسمين خلف

 

أكاد أتخيل أن عددا لا يستهان به من منتسبي وزارة التربية والتعليم يستشعرون اليوم بيد خفية تكاد أن تخنقهم بعد أن أصدرت وزارتهم تعميما تحذرهم فيه من العمل في ساعات ما بعد الدوام الرسمي دون أخذ موافقتها على نوعية العمل والجهة التي سينتسبون إليها بل وساعات ذاك العمل الإضافي، ومن حقها طبعا الموافقة على الطلب أو رفضه بموجب هذا القرار! وإلا تعرضوا للمساءلة القانونية والتي لا نعرف إن كانت قد تصل إلى حرمان الموظف من وظيفته بالوزارة أم ستلجأ إلى خصم راتبه وحرمانه من الترقية، أم أنها ستطلب منه الوقوف في الشمس ورفع كلتا يديه عقابا وتأديبا له، وكأنها تقول ''نحن والزمن عليكم، هيهات أن تفروا من الفقر الذي هو مصيركم ومصير عيالكم''، ألا يكفي الناس والذين منهم منتسبو هذه الوزارة موجة الغلاء وضعضعة الرواتب؟ أم أن عملية الخنق المعيشي تتطلب التفنن في طرق التضييق على المواطن؟ قرار للأسف مجحف، فـ ''لا يرحم ولا يخلي رحمة الله تنزل''، المعلم الذي يعمل بعد دوامه المدرسي لا يعمل حبا في المشقة والتعب بل مضطرا لتوفير لقمة عيش كريمة لأهله وعياله، ولو كان راتبه يكفيه شر السؤال لما أنهك جسده ونفسيته في عمل إضافي يأخذ من صحته يوما بعد يوم ليجد نفسه أخيرا ملقى على فراش أبيض تفترسه الأمراض، فمثله لا يعرف طعم الراحة فعمله في الفترة الصباحية منهك وعدم أخذه الراحة الكافية بعد انتهائه منه يجعل منه آلة حتما ستكون معرضة للتلف والتوقف لكثرة العمل، بل إنه إنسان فاقد حتى لعلاقاته الاجتماعية بل محروم حتى من رؤية أطفاله. هل يتصور من تفتقت ذهنيته لصياغة هذا القرار أن هؤلاء مرتاحون و''مستانسين'' على وضعهم هذا؟ أم أن صعوبة مواصلة الحياة بكرامة تتطلب منه التضحية براحته وصحته؟ لو عدلت الوزارة رواتب المدرسين لما اضطروا للعمل الإضافي الذي وكما نعرف أن بعضهم يلجأ حتى إلى حمل الأغراض بالسوق المركزي ''مدرس صباحا وحمالي في المساء'' أو يتحول إلى بائع للسمك ويمتهن عملية تنظيفها و''تصفيطها'' للزبائن، ألا تقدر الوزارة الحرج الذي قد يقع فيه المدرس كأقل تقدير لو مر عليه طالب من طلابه مساء يأمره بتنظيف السمك وهو الذي وقف صباحا بكل هندامه المرتب يشرح له الدرس؟ ليس انتقاصا من عمل بائع الأسماك ولكن للمدرس في نفسية الطلاب هيبة بل مكانته الاجتماعية محفوظة قد تهزها لو وجد عاملا في مهنة خارج المدرسة ولكن ماذا نقول والحاجة تدفعهم إلى ذلك دفعا لا رغبة ولا طمعا في جمع الأموال في البنوك. إن لم تتراجع الوزارة عن قرارها هذا، فإنها ستكون للأسف سببا في زيادة عدد المحتاجين في المملكة ''وبتزيد التظلمات على علاوة الغلاء بو خمسين دينار'' إذ إن شريحة واسعة من المعلمين سيفقدون مصدرا للرزق كان يسدون فيه قروضهم وأفواه عيالهم، ربما لجهل مني لا أعرف، إن كانت الوزارة تقسو على موظفيها لدرجة أنها تحكم السيطرة على نشاطاتهم حتى بعد ساعات الدوام الرسمية أم أنها ''حنونة'' وتخاف على صحتهم وتنظر إلى راحتهم! العدد 1194 الجمعة 4 جمادة الثاني 1430 هـ - 29 مايو 2009

info@yasmeen-khalaf.com